الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فجر الاسلام الصارخ
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 305
الموقع الالكتروني : مدونة فجر الاسلام
المعتقد و المذهب : الاسلام , أهل السنة والجماعة
الموطن : مالي وللدنيا ,ما أنا في الدنيا إلا عابر سبيل استظل تحت الشجرة ثم راح وتركها
تاريخ التسجيل : 31/12/2007

مُساهمةموضوع: تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)   الجمعة أبريل 25, 2008 12:48 am

الفصل الرابع : عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)




عبد الرحمن الداخل (صقر قريش
)


بعد استشهاد عبد الرحمن الغافقي رحمه الله في موقعة بلاط الشهداء في منطقة بواتيه وبعد هزيمة المسلمين فيها انسحب المسلمون وتوقفت الفتوحات الإسلامية في هذه المنطقة. وقبل استكمال الطريق والخوض في تفاصيل ما حدث بعد بلاط الشهداء كان هناك بعض الأسئلة المهمة، والتي نود الإجابة عليها وهي:

السؤال الأول:

لماذ لم يثُر أهل الأندلس في فترة عهد الفتح وأوائل عهد الولاة رغم ضآلة الحاميات الإسلامية عليهم؟

كان الجيش الإسلامي في بلاد الأندلس يبلغ قوامه أربعة وعشرين ألف مقاتل، كان مع طارق بن زياد اثنا عشر ألفا، وقد استشهد منهم في وادي برباط ثلاثة آلاف، ومثلهم استشهد في الطريق من وادي برباط إلى طليطلة، فوصل طارق بن زياد إلى طليطلة بستة آلاف فقط من الرجال، ثم عبر موسى بن نصير بثمانية عشر ألفا، فأصبح قوام الجيش الإسلامي أربعة وعشرين ألف مقاتل موزعون على كل مناطق الأندلس الواسعة وبعض جنوب فرنسا، كحاميات إسلامية وفاتحين لمناطق أخرى لم تفتح.

فكان التعجب لماذا لم يثر أهل هذه البلاد- على سعتها- على المسلمين أو على الحاميات الإسلامية الموجودة عليهم رغم قلتها الملحوظة التي لا تقارن بعدد السكان على الإطلاق؟
!

ومثل هذا السؤال هو العجب كل العجب، فالسؤال الذي يجب أن يسأل هو لماذا يثور أهل الأندلس؟ وليس لماذا لم يثوروا؟ كان أهل الأندلس قبل دخول الإسلام يعيشون ظلما مريرا وضنكا شديدا، تُنهب أموالهم فلا ينبثون، تنتهك أعراضهم فلا يعترضون، حكامهم في الثروات والقصور يتنعمون، وهم لا يجدون ما يسد الرمق، يزرعون الأرض وغيرهم يأكل ثمارها، بل إنهم يُباعون ويُشترون مع تلك الأرض التي يزرعونها
.

فلماذا إذن يثور أهل الأندلس؟! أيثورون من أجل هذا الذي أذاقهم العذاب ألوانا؟! أم يثورون من أجل ظهور لوذريق أو غيطشة جديد؟! أم يثورون من أجل ذكريات أليمة مليئة بالجوع والعطش والنهب والسرقة والظلم والتعذيب والتنكيل، والفساد والرشوة والجبروت؟
!

ثم ماذا كان البديل المطروح؟ إنه الإسلام الذي حملته أرواح المسلمين الفاتحين، إنه الإسلام الذي حرم كل ما سبق وجاء ليقول لهم: تعالوا أعطكم بدلا من الظلم عدلا ليس هو هبة مني، لكنه حق لكم ولقومكم وأولادكم ولذريتكم من بعدكم، إنه الإسلام الذي لم يفرق بين حاكم ولا محكوم، فإن حدث لأي منكم مظلمة قام القاضي لا يفرق بين مسلم ولا يهودي ولا نصراني أيا كان شكله أو لونه أو جنسه
.

إنه الإسلام الذي لا يرفع من قيمة الأشخاص بقدر أموالهم أو صورهم أو أجسامهم، إنما بقدر أعمالهم، والأعمال مفتوحة لكم جميعا، الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، إنه الإسلام الذي يقول الحاكم فيه لك: قد رفعنا عنك كل الضرائب إن كنت من المسلمين وكنت غنيا فلن تدفع إلا اثنين ونصف بالمائة زكاة لأموالك إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، وإن كنت فقيرا فلن تدفع شيئا، بل ستأخذ من بيت مال المسلمين إلى أن تغتني
.

أما إن كنت من غير المسلمين وكنت غنيا وقادرا على القتال- وليس غير ذلك- فستدفع جزية هي أقل بكثير من زكاة المسلمين، نظير أن يدافعوا عنك، وإن هم فشلوا في الدفاع عنك فسترد إليك أموالك
.

إنه الإسلام، خلاص الشعوب؛ حين عرفه أهل الأندلس تمسكوا به واعتنقوه اعتناقا ولم يرضوا عنه بديلا، فكيف يحاربونه ويضحون بهذا النعيم المقيم في الدنيا والآخرة من أجل حياة المرارة والعذاب والذل والحرمان؟
!

السؤال الثاني

هل من المعقول أن كل أهل الأندلس أُعجبوا بهذا الدين ولم يكن هناك ولو رجل واحد يثور ويعترض حبا في سلطان أو مصلحة كانت قد ضيعت عليه؟!

والإجابة عن هذا السؤال هي: نعم؛ كان هناك كثير من الناس من أصحاب المصالح الذين كان لهم أعوان كثيرون أرادوا أن يثوروا على حكم الإسلام؛ ليسترجعوا مجدهم ويحققوا مصالحهم التي كانت لهم، أما لماذا لم يثوروا؟ فالجواب عنده سبحانه وتعالى في قوله: [لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ] {الحشر:13}.

فالمؤمن في الفتوحات الإسلامية كانت له رهبة في قلوب النصارى واليهود ، وفي قلوب المشركين بصفة عامة، يلقي الله سبحانه وتعالى على المؤمن جلالا ومهابة فيخافه القريب والبعيد، يقول صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رواه البخاري: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. ويقول سبحانه وتعالى: [فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ] {الحشر:2
}.

والعجب أن هذا الرعب لم يكن متولدًا عن بشاعة في الحرب، أو عن إجرام منقطع النظير، إنما هي هبة ربانية لجنده ولأوليائه ولحزبه سبحانه وتعالى، بل على عكس ذلك تمامًا كانت حرب الإسلام رحمة للناس كل الناس، فها هو صلى الله عليه و سلم كما جاء في صحيح مسلم عن بُريدة رضي الله عنه حين كان يودع الجيوش فكان يخاطبهم قائلا: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وفي رواية: وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً
.

فأين هذا من حروب غير المسلمين مع المسلمين؟! أين هذا من قتل مائتي ألف مسلم من المدنيين في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟! أين هذا من فعل الروس في الشيشان، وفعل الهنود في كشمير، وفعل اليهود في فلسطين، وفعل أمريكا في العراق؟
!

فرغم أن الرهبة والرعب أُلقيت في قلوب الأعداء إلا أن حروب المسلمين كانت رحمة على العالمين، حتى لقد سُعد الذين لم يدخلوا في الإسلام من اليهود والنصارى في ظل حكم الإسلام أيما سعادة [لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] {الممتحنة:8
}.

فقد تركت لهم كنائسهم، وكان لهم قضاء خاص بهم، ولم يفرق بين مسلم ونصراني ويهودي في مظلمة، فكان العجب حقا أن يثوروا، العجب كل العجب أن ينقلبوا على الإسلام، والعجب كل العجب أن يرفضوا حكم الإسلام وقد جاء من عند حكيم خبير، يعلم ما يصلح كونه وأرضه وعبيده


[
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] {غافر:19} .

السؤال الثالث:

وهو خاص بعوامل الهزيمة في بلاط الشهداء، إذ كيف تتعلق قلوب هذا الجيل القريب من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته - وهو جيل التابعين أو تابعي التابعين - بالغنائم وحب الدنيا، وكيف تظهر فيهم هذه العنصرية القبلية؟!

وللإجابة على الشق الأول من هذا السؤال، فإنه إذا كانت هذ العوامل قد حدثت في سنة أربع عشرة ومائة فإنها قد حدثت مع الصحابة وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث من الهجرة وذلك في غزوة أُحد، والتي نزل فيها قوله تعالى مخاطبا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ]{آل عمران:152} . وكأن أُحدا تعيد نفسها من جديد في بلاط الشهداء.

فقد نزلت هذه الآية في الصحابة رضوان الله عليهم حين خالفوا أمره صلى الله عليه وسلم، ونزل الرماة وتركوا مواقعهم بعد أن أيقنوا النصر، وذلك طلبا للغنيمة، فكانت الهزيمة بعد النصر، حتى إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أحسب أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] {آل عمران:152
}.

وهكذا في بلاط الشهداء، كانت الغلبة للمسلمين في أول المعركة في أول يومين أو أول ثلاثة أيام، ثم لما التف النصارى حول الغنائم يأخذونها، وكان قد وقع حبها في قلوب المسلمين، حدث الانكسار في الجيش ثم هُزموا
.

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى : [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] {آل عمران:152}. يقول: لقد عفا عنكم أي لم يستأصلكم في هذه الموقعة، وأعطاكم الفرصة للقيام من جديد
.

وهكذا أيضا في بلاط الشهداء، لم يُستأصل الجيش الإسلامي، لكنه عاد وانسحب ليقوم من جديد
.

وإذا جئنا إلى ما قبل أحد وإلى الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة بدر وجدنا أيضا صورة من صور بلاط الشهداء، وذلك حين انتصر المسلمون ثم اختلفوا على الغنائم، حتى إن سورة الأنفال التي نزلت بعد ذلك تعظم من هذا النصر المجيد قد بدأت بقوله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {الأنفال:1}. كلام له وقع السهام على الصحابة، لكنه أمر قد حدث وهو أصيل في النفس البشرية
.

ومن هنا فما حدث في بلاط الشهداء ليس بجديد؛ لأنه من عيوب النفس، وقد حدث مثله في بدر وفي أحد، لكن كان هناك اختلافا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أحد تدارك الأمر بسرعة؛ فحمس المسلمين على الجهاد وذكرهم بالآخرة حتى قاموا في حمراء الأسد فكانت الغلبة ورد الاعتبار، أما في بلاط الشهداء فإن كان قام من جديد رجل من المسلمين وهو عقبة بن الحجاج رحمه الله يحمس المسلمين ولكن بعد العودة إلى الأندلس، إلا إنه لم تحدث موقعة بعد بلاط الشهداء كما حدثت حمراء الأسد مباشرة بعد أحد
.

كذلك كان الاختلاف في أن غالب جيش المسلمين في بلاط الشهداء باستثناء عبد الرحمن الغافقي رحمه الله الذي استشهد لم يزل حب الدنيا وحب الغنائم رابضا في قلبه، فهم يريدون الدنيا، أما في أحد فقد قال عنهم سبحانه وتعالى: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] {آل عمران:152}. ولذلك لم يعد المسلمون بعد بلاط الشهداء مباشرة كما عادوا بعد أحد
.

ومن أوجه الشبه الكبير أيضا بين أحد وبلاط الشهداء أنه عندما أُشيع خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد حدث الانكسار وحدث الفرار والهزيمة المرة، وكذلك بالنسبة إلى بلاط الشهداء، فحين قتل عبد الرحمن الغافقي رحمه الله انسحب المسلمون، وانكمشوا على أنفسهم إلى الداخل، وهنا تكمن العبرة والعظة من أحداث المسلمين المتكررة والشديدة الشبه
.

مسألة القومية والعنصرية:

وهي الشق الثاني من السؤال، وكسابقتها فإن مسألة القومية والعنصرية كانت قد ظهرت أيضا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعد قدحا في هذا العهد أو في هؤلاء الصحابة بقدر ما هو بيان لأمور فطرت وجبلت عليها النفس الآدمية، لكن فرق بين أن تعود هذه النفس إلى طريق بارئها وبين أن تتمادى في غيها.

ولعلنا نذكر هنا تلك الحادثة المشهورة التي حدثت بين أبي ذر وبين بلال رضي الله عنهما، حين عيّره أبو ذر بأمه في خلاف بينهما قائلا لبلال: يا ابن السوداء، فذهب بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مغاضبا يحكى له ما حدث، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن غضب غضبا شديدا وقال لأبي ذر: طَفُّ الصَّاعِ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلْ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. وفي رواية أَنه صلى الله عليه وسلم قال: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَحْلِفَ مَا لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٍ إِلَّا بِعَمَلٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا كَطَفِّ الصَّاعِ
.

والعبرة هنا برد فعل أبي ذر رضي الله عنه حيال هذا الغضب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحيال هذا الذنب الذي اقترفه، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على التراب مُصرا على أن يطأ وجهه بلال رضي الله عنه بقدمه حتى يكفر عن خطيئته تلك، والعبرة هنا أيضا برد فعل بلال رضي الله عن الجميع إذ غفر لأبي ذر ورفض أن يطأ وجهه،


ومثل هذا أيضا حدث بين الأوس والخزرج حين فتن بينهم شاس بن قيس، فقال الأوس: يا للأوس، وقال الخزرج: يا للخزرج، وحينها أيضا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : اللَّهَ اللَّهَ! أَبْدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرْكُمْ، دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ.

وليس أدل على تلك القبلية مما حدث بمجرد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من فتنة بني حنيفة، واجتماع الناس حول مسيلمة الكذاب، حتى سُئل رجل من أتباع مسيلمة: أتعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق ومسيلمة كاذب؟ فأجاب قائلا: والله أعلم أن محمدا صادق، وأن مسيلمة كاذب، ولكن كاذب بني ربيعة، أحب إليّ من صادق مضر. هكذا كانت قبلية تماما في نظر هذا الرجل، ولو لمس الإيمان قلبه ما قال مثل قولته هذه
.

إذن فقد ظهرت العنصرية والقبلية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتدارك هذا الأمر بكل سرعة، ويحفز الناس بالإيمان ويقربهم إلى ربهم، ويذكرهم بالآخرة [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ] {الذاريات:55} . فسرعان ما يتجاوزن ما حدث ولا يعودون،


روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنِّي جَعَلْتُ نَسَبًا وَجَعَلْتُمْ نَسَبًا، فَجَعَلْتُ أَكْرَمَكُمْ أَتْقَاكُمْ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْفَعَ نَسَبِي وَأَضَعُ نَسَبَكُمْ. ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ] {المؤمنون:101 ،102 ،103} .


عدل سابقا من قبل فجر الاسلام الصارخ في الجمعة أبريل 25, 2008 1:02 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://snake001.jeeran.com
فجر الاسلام الصارخ
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 305
الموقع الالكتروني : مدونة فجر الاسلام
المعتقد و المذهب : الاسلام , أهل السنة والجماعة
الموطن : مالي وللدنيا ,ما أنا في الدنيا إلا عابر سبيل استظل تحت الشجرة ثم راح وتركها
تاريخ التسجيل : 31/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)   الجمعة أبريل 25, 2008 12:54 am

الأحداث بعد بلاط الشهداء وعودة المسلمين إلى الأندلس

بعد عودة المسلمين إلى الأندلس، قام فيهم عقبة بن الحجّاج السلولي رحمه الله وتولى الولاية من سنة ست عشرة ومائة من الهجرة إلى سنة ثلاث وعشرون ومائة من الهجرة، وهو يعد آخر المجاهدين بحق في فترة عهد الولاة الأول.

خُيّر هذا الرجل بين إمارة إفريقيا بكاملها ( كل الشمال الأفريقي) وبين إمارة الأندلس ففضل إمارة الأندلس؛ لأنّها أرض جهاد حيث ملاصقتها لبلاد النصارى، وقام رحمه الله خلال سنوات إمارته السبع بأكثر من سبع حملات داخل فرنسا، وكان ينزل إلى الأسرى بنفسه يعلمهم الإسلام، حتى إنه أسلم على يديه ألفان من الأسرى، لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ، فكيف بألفين
!

ولقد استشهد عقبة بن الحجّاج رحمه الله سنة ثلاث وعشرين ومائة من الهجرة، وباستشهاده يكون قد انتهى عهد الولاة الأول أو الفترة الأولى من عهد الولاة
.

الفترة الثانية من عهد الولاة وأهم سماتها

تبدأ هذه الفترة منذ انتهاء العهد الأول من عهد الولاة منذ سنة ثلاث وعشرين ومائة من الهجرة وحتى سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وترجع بذور هذا العهد إلى موقعة بلاط الشهداء، حيث حب الغنائم والنزعة العنصرية والقبلية أهم سماتها.

1- حب الدنيا:

في أول هذا العهد كانت الأموال كثيرة والغنائم ضخمة، وفتحت الدنيا عليهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ مِمَّا أَخَاُف عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا. وهكذا فتحت زهرة الدنيا على المسلمين فانخرطوا فيها؛ فتأثر بذلك إيمانهم.

2- تفاقم العنصرية والقبلية:

وتبعا لتأثر الإيمان ظهرت العنصرية بصورة كبيرة، وحدثت انقسامات كثيرة جدا في صفوف المسلمين في الأندلس، فحدثت انقسامات بين العرب وبين البربر، وكانت جذور هذه الانقسامات منذ بلاط الشهداء، ثم حدثت انقسامات بين العرب أنفسهم، بين المضريين والحجازيين، وبين العدنانيين (أهل الحجاز) والقحطانيين (أهل اليمن)، حتى إنه كان هناك خلافات وحروب كثيرة بين أهل اليمن وأهل الحجاز.

ولقد وصل الأمر إلى حدوث انقسامات بين أهل الحجاز أنفسهم، بين الفهريين وبين الأمويين، بين بني قيس وبني ساعدة، وهكذا انقسم أهل الحجاز بعضهم على بعض
.

3- ظلم الولاة:

وإضافة إلى حب الغنائم وتفاقم القبلية والنزعة العنصرية، وكخطوة لاحقة لهذا ظهر ما يمكن أن نسميه ظلم الولاة، فقد تولى أمر المسلمين في الأندلس ولاة ظلموا الناس وألهبوا ظهورهم بالسياط، كان منهم - على سبيل المثال - عبد الملك بن قطن، ملأ هذا الوالي الأرض ظلما وجورا، قسم الناس بحسب العنصرية وبحسب القبلية، أعطى المضريين وحدهم من الغنائم ومنع البربر وغيرهم، فانقسم الناس عليه وانقلبوا.

وعلى دربه سار يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي تولى من سنة ثلاثين ومائة وحتى آخر هذه الفترة وآخر عهد الولاة كلية سنة ثمان وثلاثين ومائة، فقد انفصل هذا الوالي بالحكم كلية عن الخلافة الأموية، وادعى أن إمارة الأندلس إمارة مستقلة، بالإضافة إلى إذاقة الناس من العذاب ألوانا، فحدثت انكسارات جديدة وثورات عديدة بلغت أكثر من ثلاثين ثورة داخل بلاد الأندلس
.

4- ترك الجهاد:

منذ قليل كنا نتحدث عن الانتصارات الإسلامية والتاريخ المجيد، وفتح الأندلس وفتح فرنسا، ثم ها هي الدنيا إذا تمكنت من القلوب، وها هي العنصرية، وها هو ظلم الولاة يسلم الناس إلى هذه الثورات، وكرد فعل طبيعي جدا لكل هذا، ترك الناس الجهاد، وتوقفت الفتوحات في فرنسا، وتوقفت الحروب ضد النصارى في الشمال الغربي في منطقة الصخرة، والتي كان يتمركز بها مجموعة لا بأس بها من النصارى منذ الفتح الأول لبلاد الأندلس، وكقاعدة ربانية وسنة إلهية فما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، يروي أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ (نوع من الربا) وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ. وهكذا كان حين ترك المسلمون الجهاد في فرنسا وأرض الأندلس، فسلط الله عليهم الذل، وانقسموا على أنفسهم، وانشغلوا بدنياهم.

أهم أحداث الفترة الثانية من عهد الولاة

نظرا لتفاعل الأمور السابقة بعضها مع بعض نستطيع بإيجاز شديد أن نلخص أهم الأحداث التي تمخضت عنها الفترة الثانية والأخيرة من عهد الولاة فيما يلي:

أولا: فُقدت كل الأراضي الإسلامية في فرنسا باستثناء مقاطعة سبتمانيا، والتي كانت قد فتحت بسرية من سرايا موسى بن نصير، كما ذكرنا قبل ذلك.

ثانيا: ظهرت مملكة نصرانية في المنطقة الشمالية الغربية عند منطقة الصخرة تسمى مملكة ليون.

ثالثا: انفصل إقليم الأندلس عن الخلافة الإسلامية - الأموية في ذلك الوقت - وذلك على يد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، كما ذكرنا قبل قليل.

رابعا: انقسمت الأندلس إلى فرق عديدة متناحرة، وثورات لا نهائية، كلٌّ يريد التملك والتقسيم وفق عنصره وقبيلته.

خامسا: أمر خطير جدا وهو ظهور فكر الخوارج الذين جاءوا من الشام واعتناق البربر له، وذلك أن البربر كانوا يعانون ظلما شديدا وعنصرية بغيضة من قِبل يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ فاضطروا إلى قبول هذا الفكر الخارج عن المنهج الإسلامي الصحيح واعتناقه؛ خلاصا مما يحدث لهم ممن ليسوا على فكر الخوارج.

سادسا: زاد من خطورة هذا الموقف ذلك الحدث الجسيم الذي صدع الأمة الإسلامية في سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية، والذي كان قياما دمويا رهيبا، انشغل فيه العباسيون بحرب الأمويين، ومن ثم فقد ضاعت قضية الأندلس وغابت تماما عن الأذهان.

ونتيجة لهذه العوامل جميعها فقد أجمع المؤرخون على أن الإسلام كاد أن ينتهي من بلاد الأندلس، وذلك في عام ثمانية وثلاثين ومائة من الهجرة
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://snake001.jeeran.com
فجر الاسلام الصارخ
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 305
الموقع الالكتروني : مدونة فجر الاسلام
المعتقد و المذهب : الاسلام , أهل السنة والجماعة
الموطن : مالي وللدنيا ,ما أنا في الدنيا إلا عابر سبيل استظل تحت الشجرة ثم راح وتركها
تاريخ التسجيل : 31/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)   الجمعة أبريل 25, 2008 12:56 am

عبد الرحمن الداخل، وعهد جديد

كما رأينا فقد أصبح أمر الأندلس يحتاج في إصلاحه إلى معجزة إلهية، وبالفعل حدثت المعجزة بفضل من الله ومَنٍّ وكرم منه على المسلمين، وذلك بدخول رجل يدعى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي إلى أرض الأندلس، وذلك في شهر ذي الحجة من سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة من الهجرة.

قصة عبد الرحمن الداخل

لكي نفهم قصة دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى أرض الأندلس، نعود إلى الوراء قليلًا حتى سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو زمن سقوط بني أمية، فقد أعمل العباسيون السيوف قتلا وتنكيلا لكل من كان مؤهلا من الأمويين لتولي الخلافة، فقتلوا الأمراء وأبناء الأمراء وأبناء أبناء الأمراء (الأحفاد) إلا قلة ممن لم تصل إليه سيوفهم.

كان عبد الرحمن بن معاوية حفيد هشام بن عبد الملك (حكم من خمس ومائة إلى خمس وعشرين ومائة من الهجرة) من هذه القلة التي لم تصلهم سيوف العباسيين، وكان عمره آنذاك تسع عشرة سنة فقط، وكان له أخ صغير لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة، وكلاهما مطلوبي الرأس من قِبَل العباسيين
.

في العراق كان عبد الرحمن بن معاوية يجلس في بيته إذ دخل عليه ابنه ابن الأربع سنين يبكي فزعًا، وكان عبد الرحمن بن معاوية مريضا معتزلا في الظلام في ركن من البيت من أثر رمد في عينه، فأخذ يسكن الطفل بما يسكن به الأطفال إلا أن الطفل ظل فزعًا مرعوبًا لم يسكن، فقام معه عبد الرحمن بن معاوية فوجد الرايات السود خارج البيت (رايات الدولة العباسية)، وكانت تعم القرية جميعها، فعلم أنّه مطلوب، رجع عبد الرحمن بن معاوية وأخذ أخاه الوليد بن معاوية وما معه من نقود، وترك النساء والأطفال وكل شيء؛ لأن العباسيين لم يكونوا ليقتلوا النساء ولا الأطفال، ولكن كانوا يقتلون كل من بلغ وكان مؤهلًا للخلافة، ثم خرج هاربا نحو الفرات، وعند الفرات وجد عبد الرحمن بن معاوية وأخوه القوات العباسية تحاصر النهر، فألقيا بأنفسهما فيه وأخذا يسبحان، ومن بعيد ناداهما العباسيون أن ارجعا ولكما الأمان، حينها كان الوليد بن معاوية أخو عبد الرحمن بن معاوية قد أجهد من السباحة، فأراد أن يعود، فناداه أخوه الأكبر أن لا تعد يا أخي وإلا فسيقتلوك، فرد عليه إنهم قد أعطونا الأمان، ثم عاد راجعا إليهم، فما أن أمسك به العباسيون إلا أن قتلوه أمام أعين أخيه، عَبَر عبد الرحمن بن معاوية النهر وهو لا يستطيع أن يتكلم أو يفكر من شدة الحزن على أخيه ابن الثالثة عشرة، ثم يمم جهة بلاد المغرب لأن أمه كانت من قبيلة من قبائل البربر، فهرب إلى أخواله هناك، في قصة هروب طويلة جدًا عبر فيها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان، وصل عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان وعمره تسع عشرة سنة فقط، وهناك وجد ثورة كبيرة للخوارج في الشمال الأفريقي كله وعلى رأسها عبد الرحمن بن حبيب، وكان قد استقل بالشمال الإفريقي عن الدولة العباسية، ولأنه كانت هناك كراهية شديدة جدا بين الخوارج والأمويين (حيث إن الخوارج لم يرضوا ارتضاء سيدنا علي بتحكيم كتاب الله بينه وبين معاوية بن أبي سفيان الأموي في موقعة صفين، ومن ثم فقد خرجوا عليه وسموا من بعدها بالخوارج، ومن حينها وهم يبغضون الأمويين) فقد كان عبد الرحمن بن حبيب يسعى هو الآخر للقضاء على عبد الرحمن بن معاوية حين علم بأمره، فحين قدم عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان اجتمع عليه الخوارج وكادوا أن يقتلوه، فهرب من جديد إلى برقه (في ليبيا)، وفيها ظل مختبئا عند بعض أخواله هناك طيلة أربع سنوات كاملة، حتى سنة ست وثلاثين ومائة، وكان قد بلغ من العمر ثلاث وعشرين سنة، وفي أمره ظل عبد الرحمن بن معاوية يفكر، أيظهر فيُقتل أم يظل مختبئا طوال العمر؟! ففي أي قطر من بلاد المسلمين هو مطلوب الرأس، ففي الشام في بلاد المشرق الإسلامي مطلوب من العباسيين، وفي الشمال الإفريقي في بلاد المغرب الإسلامي مطلوب من الخوارج، فهل يظل مختبئا طوال حياته وهو سليل الأمراء والخلفاء؟! أو هل يظل مختبئا في مكانه والأمويون في كل مكان يُقتلون ويذبحون؟! أم يحاول أن يقيم للأمويين مجدا من جديد؟
!

وهنا جال بخاطره أن يذهب إلى الأندلس، وقد كانت الأندلس أصلح البلدان لاستقبال عبد الرحمن بن معاوية، وذلك لأنها أولا: أبعد الأماكن عن العباسيين والخوارج، ثانيا: لأن الوضع في الأندلس ملتهب جدا، وذلك على نحو ما ذكرنا في عهد يوسف بن عبد الرحمن الفهري وفي نهاية الفترة الثانية من عهد الولاة؛ ففي هذا الجو يستطيع عبد الرحمن بن معاوية أن يدخل هذه البلاد؛ ولو كانت تابعة للخلافة العباسية ما استطاع أن يدخلها، كما أنها لو كانت على فكر الخوارج ما استطاع أيضا أن يدخلها؛ فكانت الأندلس أنسب البلاد له على وعورتها واحتدام الثورات فيها
.

عبد الرحمن بن معاوية ودخول الأندلس

في سنة ست وثلاثين ومائة بدأ عبد الرحمن بن معاوية يعد العدة لدخول الأندلس، فعمل على الآتي:

أولا: أرسل مولاه بدر إلى الأندلس لدراسة الموقف، ومعرفة القوى المؤثرة في الحكم فيها.

ثانيا: راسل كل محبي الدولة الأموية في أرض الأندلس

بعد أن علِمَهم من مولاه بدر، والحق أن كثيرا من الناس في عهد الدولة الأموية وفي غيرها كانوا يحبون الأمويين كثيرا، فمنذ ولاية معاوية بن أبي سفيان على الشام في خلافة عمر بن الخطاب، وفي خلافة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، والمسلمون في أقطار الدولة الإسلامية يحبون بني أمية حبا شديدا، فقد اشتهر بنو أمية على مر العصور بالسخاء الشديد والسياسة والحكمة، واكتساب الناس وحسن معاملتهم، والجهاد في سبيل الله ونشر الدين وفتح البلاد، فكان لبني أمية داخل بلاد الأندلس كثير من المريدين وكثير من المحبين حتى من غير بني أمية من القبائل الأخرى المختلفة.

ثالثا: في ذكاء شديد وحرص أشد راسل عبد الرحمن بن معاوية البربر،

يطلب معونتهم ومساعدتهم، وكانوا في ذلك الوقت على خلاف شديد جدا مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ لأنه فرق بينهم وبين العرب، فهم يريدون أن يتخلصوا من حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي عاملهم بهذه العنصرية.

رابعا: راسل كل الأمويين في كل الأماكن التي هربوا إليها يعرض عليهم فكرته، وأنه يعزم على دخول الأندلس ويطلب معونتهم ومددهم.

وبالفعل بدأ في تجميع الأعوان، واستغرق ذلك عامين حتى قدم عليه رسول من عند مولاه بدر سنة ثمان وثلاثين ومائة يقول له إن الوضع قد تجهز لاستقبالك هناك، وحينما سأله عن اسمه فقال: غالب التميمي، فرد مؤملا مستبشرا بهذا الاسم: الحمد لله، غلبنا وتم أمرنا. وبدأ يعد العدة ويجهز السفينة التي أخذته منفردا إلى بلاد الأندلس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://snake001.jeeran.com
فجر الاسلام الصارخ
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 305
الموقع الالكتروني : مدونة فجر الاسلام
المعتقد و المذهب : الاسلام , أهل السنة والجماعة
الموطن : مالي وللدنيا ,ما أنا في الدنيا إلا عابر سبيل استظل تحت الشجرة ثم راح وتركها
تاريخ التسجيل : 31/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)   الجمعة أبريل 25, 2008 12:58 am

عبد الرحمن الداخل في الأندلس

نزل عبد الرحمن بن معاوية رحمه الله على ساحل الأندلس بمفرده، واستقبله هناك مولاه بدر، ثم انطلق معه إلى قرطبة، كان يحكم الأندلس في ذلك الوقت يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكالعادة كان في الشمال يقمع ثورة من الثورات، ذلك الوقت الذي قال عنه المؤرخون - كما ذكرنا -: كاد الإسلام أن ينتهي من بلاد الأندلس في عام ثمانية وثلاثين ومائة.

ويدخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس ويبدأ في تجميع الناس من حوله، محبي الدولة الأموية، والبربر، وبعض القبائل المعارضة ليوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقد جاء بعض الأمويين من بقاع الأرض المختلفة، ومع ذلك لم يجد العدد كافيا والذي يستطيع به أن يغير من الأوضاع
.

فكر عبد الرحمن بن معاوية في اليمنيين الذين كانوا على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري الحجازي رغم كونه أيضا من الحجاز، لكنهم رأوا أنهم ليس لهم طاقة بيوسف بن عبد الرحمن الفهري، فقبلوا أن يتحدوا مع عبد الرحمن بن معاوية
.

كان على رأس اليمنيين في ذلك الوقت أبو الصباح اليحصبي، وكان المقر الرئيسي لهم أشبيلية، وهي المدينة الكبيرة التي تعد حاضرة من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، فذهب عبد الرحمن بن معاوية بنفسه إلى أشبيلية واجتمع طويلا مع أبي الصباح اليحصبي، واتفقا على أن يقاتلا سويا ضد يوسف بن عبد الرحمن الفهري
.

قبل القتال كان عبد الرحمن بن معاوية قد أرسل عدة رسائل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري يطلب وده وأن يسلم له الإمارة ويكون الفهري رجلا من رجاله في بلاد الأندلس، بحكم أنه (عبد الرحمن) حفيد هشام بن عبد الملك من رموز الخلافة الأموية، لكن يوسف الفهري رفض كل ذلك، وجهز جيشا وجاء ليحارب عبد الرحمن بن معاوية ومن معه
.

موقعة المسارة

من المؤسف حقا أن يلتقي المسلمون بسيوفهم، لكن كثرة الثورات وكثرة الفتن والانقلابات جعلت الحل العسكري هو الحل الحتمي في ذلك الوقت.

ففي ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثين ومائة، وفي موقعة كبيرة عرفت في التاريخ باسم موقعة المسارة أو المصارة، دار قتال شرس بين يوسف بن عبد الرحمن الفهري من جهة وعبد الرحمن بن معاوية الذي يعتمد بالأساس على اليمنيين من جهة أخرى
.

وقبل القتال كان أبو الصباح اليحصبي (رئيس اليمنيين) قد سمع بعض المقولات من اليمنيين تقول: إن عبد الرحمن بن معاوية غريب عن البلاد، ثم إن معه فرس عظيم أشهب، فإن حدثت هزيمة فسيهرب من ساحة القتال ويتركنا وحدنا للفهريين
.

وصلت عبد الرحمن بن معاوية تلك المقولة، فقام وفي ذكاء شديد يفوق سن الخامسة والعشرين وذهب بنفسه إلى أبي الصباح اليحصبي وقال له: إن جوادي هذا سريع الحركة ولا يمكّنني من الرمي، فإن أردت أن تأخذه وتعطيَني بغلتك فعلت، فأعطاه الجواد السريع وأخذ منه البغلة يقاتل عليها، حينئذ قال اليمنيون: إن هذا ليس بمسلك رجل يريد الهرب، إنما هو مسلك من يريد الموت في ساحة المعركة، فبقوا معه وقاتلوا قتالا شديدا، ودارت معركة قوية جدا، انتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية، وفَرّ يوسف الفهري
.

عبد الرحمن الداخل وأمارات نجابة وعلم وذكاء

كان عادة المحاربين في ذلك الزمن أن يتبع الجيش المنتصر فلول المنهزمين والفارين، ليقتلوهم ويقضوا عليهم، ومن ثَمّ على ثورتهم، وحين بدأ اليمنيون يجهزون أنفسهم ليتتبعوا جيش يوسف الفهري منعهم عبد الرحمن بن معاوية وقال لهم قولة ظلت ترن في أصداء التاريخ، أمارة على علم ونبوغ، وفهم صحيح وفكر صائب في تقدير الأمور، قال لهم:

لا تتّبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم
.

يريد رحمه الله أن هؤلاء الذين يقاتلوننا اليوم سيصبحون غدا من جنودنا، ومن ثم عونا على أعدائنا من النصارى وغيرهم في ليون وفرنسا وغيرها. فهكذا رحمه الله كان ذو نظرة واسعة جدا تشمل كل بلاد الأندلس، بل تشمل كل أوروبا، بل إني أراه بذلك التفكير يملك أن يعيد ملك الشام بعد ذلك أيضا إلى أملاك الأمويين، وذلك لما يلي
:

أولا: ليس في قلبه غل ولا حقد على من كان حريصا على قتله منذ ساعات قليلة.

ثانيا: الفهم العميق للعدو الحقيقي وهو النصارى في الشمال.

ثالثا: رغم كونه لم يتجاوز الخامسة والعشرين إلا إنه كان يمتلك فهما واعيا وإدراكا صحيحا، وفقها وعلما وسعة اطلاع، علم به أنه إن جاز له شرعا أن يقاتلهم لتجميع المسلمين حول راية واحدة، فهو في ذات الوقت لا يجوز له شرعا أن يتتبعهم، وأن يقتل الفارين منهم، ولا أن يجهز على جريحهم، ولا أن يقتل أسيرهم، لأن حكمهم حكم الباغين في الإسلام وليس حكم المشركين، وحكم الباغي في الإسلام أنه لا يتتبع الفار منهم، ولا يقتل أسيره، ولا يجهز على جريحه، بل ولا تؤخذ منه الغنائم.

بين عبد الرحمن الداخل وأبي الصباح اليحصبي

بعد انتهاء موقعة المسارة قام أبو الصباح اليحصبي في اليمنيين وقال لهم: لقد انتصرنا على عبد الرحمن الفهري وجاء وقت النصر على غيره، يُعرّض بعبد الرحمن بن معاوية، هذا الذي كان يقاتل معه منذ ساعات، ويرى أنه إن انتصر عليه وقتله (عبد الرحمن الداخل)دانت لهم بلاد الأندلس كلها.

لكن اليمنيين لم يوافقوه على ذلك؛ ليس حبا في عبد الرحمن الداخل وإنما خوفا منه، فقالوا له: إن هذا الرجل ليس بالسهل. وتصل هذه الأنباء إلى عبد الرحمن بن معاوية، فما كان منه إلا أن أسرّها في نفسه، ولم يُبْدها لهم، ولم يُعلمهم أنه يعلم بما يضمرونه له، لكنه أصبح على حذر شديد جدا من أبي الصباح اليحصبي
.

لم يرد عبد الرحمن بن معاوية أن يحدث خللا في الصف المسلم في هذه الأوقات، لم يرد أن يحدث خللا بين الأمويين ومحبي الدولة الأموية وبين اليمنيين في ذلك الوقت المليء بالثورات والمعارك الداخلية، إنما كان كل همه هو تجميع الناس ثم حرب النصارى بعد ذلك، وبالفعل وهناك وبعد إحدى عشرة سنة من هذه الأحداث عزل أبا الصباح اليحصبي عن مكانه، واستطاع أن يتملك زمام الأمور كلها في الأندلس
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://snake001.jeeran.com
فجر الاسلام الصارخ
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 305
الموقع الالكتروني : مدونة فجر الاسلام
المعتقد و المذهب : الاسلام , أهل السنة والجماعة
الموطن : مالي وللدنيا ,ما أنا في الدنيا إلا عابر سبيل استظل تحت الشجرة ثم راح وتركها
تاريخ التسجيل : 31/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)   الجمعة أبريل 25, 2008 12:59 am

عبد الرحمن الداخل، وبداية فترة الإمارة الأموية

بعد موقعة المسارة والسيطرة على منطقة قرطبة والجنوب الأندلسي لُقب عبد الرحمن بن معاوية بعبد الرحمن الداخل؛ لأنه أول من دخل من بني أمية قرطبة حاكما، كما كان له كثير من الأيادي البيضاء على الإسلام في بلاد الأندلس كما سنرى.

ومنذ أن تولى عبد الرحمن الداخل الأمور في بلاد الأندلس عُرفت هذه الفترة بفترة الإمارة الأموية، وتبدأ من سنة ثمان وثلاثين ومائة من الهجرة، وتنتهي سنة ست عشرة وثلاثمائة من الهجرة، وسميت "إمارة" لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية، سواء كانت في عصر الخلافة العباسية أو ما تلاها بعد ذلك من العصور إلى آخر عهود الأندلس
.

بدأ عبد الرحمن الداخل ينظم الأمور في بلاد الأندلس، كانت هناك ثورات كثيرة جدا في كل مكان من أرض الأندلس، وبصبر شديد وأناة عجيبة أخذ عبد الرحمن الداخل يراوض هذه الثورات الواحدة تلو الأخرى، وبحسب ما يتوافق معها أخذ يستميل بعضها ويحارب الأخرى
.

وفي فترة حكمه التي امتدت أربعة وثلاثين عاما متصلة، من سنة ثمان وثلاثين ومائة وحتى سنة اثنتين وسبعين ومائة كانت قد قامت عليه أكثر من خمس وعشرين ثورة، وهو يقمعها بنجاح عجيب الواحدة تلو الأخرى، ثم تركها وهي في فترة من أقوى فترات الأندلس في التاريخ بصفة عامة
.

صقر قريش وثورة العباسيين

كانت هناك واحدة فقط من هذه الثورات الخمس والعشرين هي التي سنقف عندها؛ وذلك لأهميتها الشديدة في فهم هذا الانفصال الذي حدث للأندلس عن الخلافة العباسية، وهذه الثورة حدثت في سنة ست وأربعين ومائة من الهجرة، أي بعد حوالي ثمان سنوات من تولي عبد الرحمن الداخل حكم الأندلس، وقام بها رجل يُدعى العلاء بن مغيث الحضرمي.

كان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (وهو الخليفة العباسي الثاني أو المؤسس الحقيقي للخلافة العباسية بعد أبي العباس السفاح) قد راسل العلاء بن مغيث الحضرمي كي يقتل عبد الرحمن بن معاوية، ومن ثم يضم الأندلس إلى أملاك الخلافة العباسية
.

وبالنسبة لأبي جعفر المنصور فهذا يعد أمرا طبيعيا له كامل الحق فيه؛ إذ يريد ضم بلاد الأندلس - وهي البلد الوحيد المنشق من بلاد المسلمين - إلى حظيرة الخلافة العباسية الكبيرة، فجاء العلاء بن مغيث الحضرمي من بلاد المغرب العربي وعبر بلاد الأندلس، ثم قام بثورة ينادي فيها بدعوة العباسيين، ويرفع الراية السوداء التي أرسلها له الخليفة أبو جعفر المنصور
.

لم يتوان عبد الرحمن الداخل، فقامت لذلك حرب كبيرة جدا بين العلاء بن مغيث الحضرمي وعبد الرحمن بن معاوية، وكعادته في قمع الثورات انتصر عليه عبد الرحمن بن معاوية، ووصلت الأنباء إلى أبي جعفر المنصور، وكان في الحج بأن عبد الرحمن الداخل قد هزم جيش العلاء الحضرمي هزيمة منكرة، وأن العلاء بن مغيث الحضرمي قد قُتل
.

وهنا قال أبو جعفر المنصور: قتلنا هذا البائس - يعني العلاء بن مغيث الحضرمي - يريد أنه قتله بتكليفه إياه بحرب عبد الرحمن بن معاوية، ثم قال: ما لنا في هذا الفتى من مطمع (يعني عبد الرحمن بن معاوية)، الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر
.

ومنذ هذه اللحظة والدولة العباسية لم تفكر لحظة واحدة في استعادة بلاد الأندلس، بل إن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي هو الذي سمّى عبد الرحمن بن معاوية بصقر قريش الذي اشتهر به بعد ذلك، كان أبو جعفر المنصور جالسا مع أصحابه فسألهم: أتدرون من هو صقر قريش؟ فقالوا له كعادة البطانة السوء: بالتأكيد هو أنت، فقال لهم: لا، فعدّدوا له أسماء حتى ذكروا له معاوية وعبد الملك بن مروان من بني أمية فقال أيضا: لا. ثم أجابهم قائلا: بل هو عبد الرحمن بن معاوية، دخل الأندلس منفردا بنفسه، مؤيّدا برأيه، مستصحبا لعزمه، يعبر القفر ويركب البحر حتى دخل بلدا أعجميا فمصّر الأمصار وجنّد الأجناد، وأقام ملكا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة عزمه. وهكذا كان أبو جعفر المنصور العباسي معجبا جدا بعبد الرحمن بن معاوية، وهو ما يمكن أن نسميه إعجاب اضطرار، أو إعجاب فرض نفسه
.

عبد الرحمن بن معاوية والخلافة العباسية

قضية الانفصال الطويل الذي دام بين دولة الأندلس وبين الخلافة العباسية على مر العصور تثير في نفوسنا وفي نفوس جميع المسلمين تساؤلات عدة، لماذا يحاول عبد الرحمن بن معاوية الرجل الورع التقي الذي أقام دولة قوية جدا في بلاد الأندلس، لماذا يحاول بل وينفصل بالكلية عن الخلافة العباسية؟!

ووقفة عادلة مع هذا الحدث وتحليله واستجلاء غوامضه نستطيع القول بأن الدولة العباسية قد أخطأت خطأ فاحشا بحق الأمويين، وذلك بقتلهم وتتبعهم في البلاد بهذه الصورة الوحشية، فإذا كان الأمويين في آخر عهدهم قد فسدوا واستحقوا الاستبدال فليكن تغييرهم، وليكن هذا الاستبدال، ولكن على نهج رسول الله صلى الله عليه و سلم
.

كان من المفترض على الدولة العباسية القائمة على أنقاض الأمويين أن تحتوي هذه الطاقات الأموية، وتعمل على توظيفها لخدمة الإسلام والمسلمين، بدلا من إجبارهم على خلق جيب من الجيوب في صقع بعيد من أصقاع البلاد الإسلامية في الأندلس أو في غيرها من بلاد المسلمين
.

كان من المفترض ألا ُتْفرط الدولة العباسية في قتل المسلمين من بني أمية وهي تعلم حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِءٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ
.

كما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
.

ما المانع من أن تقيم الحد على من يستحق أن يُقتل من بني أمية ثم تترك وتستوعب الآخرين
.

وما المانع من أن تعطي الدولة العباسية بني أمية بعضا من الملك، مثل إمارة مدينة أو إمارة ولاية، وهؤلاء كانوا خلفاء وأبناء خلفاء؛ حتى تستوعبوهم في داخل الصف
.

فهذا عبد الرحمن الداخل الذي نتحدث عنه يصيح في اليمنيين بعد موقعة المسارة ويقول لهم حين أرادوا أن يتتبعوا الفارين من جيش يوسف بن عبد الرحمن الفهري: اتركوهم لا تتبعوهم، ليضمهم إلى جيشه بعد ذلك، فهكذا كان يجب على العباسيين أن يفعلوا، ويتركوا الأمويين يدخلون تحت عباءتهم حتى يستطيعوا أن يكونوا لهم جندا وعونا لا نِدّا ومنافسا، كما رأينا النتيجة بأعيننا
.

وهذا أيضا المثل الأعلى والقدوة الحسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ماذا فعل بعد أن دخل مكة وكان أهلها قد آذوه هو وأصحابه وطردوهم منها، وماذا قال عن أبي سفيان وهو من هو قبل ذلك؟ ما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن دخل متواضعا وقال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن. أليس أبو سفيان هذا كان زعيم الكفر وزعيم المشركين في أحد والأحزاب؟! فلماذا إذن يقول عنه صلى الله عليه وسلم مثل هذا؟! إنما كان يريد صلى الله عليه وسلم أن يخطب وده ويضمه إلى صفه، وبالمثل فعل صلى الله عليه وسلم مع رءوس الكفر في مكه حين قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟" فقالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فرد عليهم صلى الله عليه وسلم بمقولته التي وعاها التاريخ: اذهبوا فأنتم الطلقاء
.

وليس هذا فقط من كرم الأخلاق، ولكنه أيضا من فن معاملة الأعداء، وحسن السياسة والإدارة، فلنتخيل ماذا سيكون الموقف لو أن الرسول صلى الله عليه و سلم أقام الحد وقطع رؤءس هؤلاء الذين حاربوا دين الله سنوات وسنوات؟! بلا شك كان سيُحدث جيبا من الجيوب داخل مكه، وكان أهل مكه سينتهزون الفرصة تلو الفرصة للانقلاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وللانفصال من الخلافة الإسلامية
.

لكن العجب العجاب كان في نتيجة ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، فقد ارتدّت جزيرة العرب جميعها، ولم يبق على الإسلام منها إلا المدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف، وقرية صغيرة تسمى هجر، فقط ثلاث مدن وقرية واحدة، أي أن مكة التي لم تدخل في الإسلام إلا منذ أقل من ثلاث سنوات فقط قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في تعداد هذه المدن القليلة جدا التي ثبتت على الإسلام ولم ترتد، وبلا شك فهو أثر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم ينسوه، فكان أن استُوعبوا في داخل الدولة الإسلامية، وثبتوا وقت الزيغ
.

هكذا لو فعل العباسيون واستوعبوا الأمويين في داخل الدولة العباسية. ولأنهم لم يفعلوا فكان أن اضطر الأمويون اضطرارا إلى الذهاب إلى هذه البلاد والانشقاق بها عن دولة المسلمين
.

وواقع الأمر يقول أنه لو كان عبد الرحمن بن معاوية يضمن أن العلاء بن مغيث الحضرمي سوف يعفى عنه ويعطيه إمارة الأندلس، أو أي إمارة أخرى من إمارات الدولة العباسية إذا سلّم الأمر إليه لفعل، لكنه كان يعلم أنه لو قبض عليه لقتل في الحال هو ومن معه من الأمويين إن كانوا مرشحين للخلافة، وهذا بالطبع ما دفعه لأن يحاول مرة ومرتين وثالثة لأن يبقى على عهده من الجهاد ضد الدولة العباسية، وهو أمر مؤلم جدا وحلقة مفرغة دخل فيها المسلمون نتيجة العنف الشديد من قبل الدولة العباسية في بدء عهدها،


ولا شك أن الدولة العباسية قد غيّرت كثيرا من نهجها الذي اتبعته أولا، وتولى بعد ذلك رجال كثيرون حافظوا على النهج الإسلامي، بل إن أبا جعفر المنصور نفسه في آخر عهده كان قد غير ما بدأه بالمرة، لكن كانت هناك قسوة شديدة بهدف أن يستتب لهم الأمر في البلاد،

فمن يحاول أن يتذاكى على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فستكون العاقبة دائما هي الخسران، وهكذا كان فقْد المسلمين لأرواح طاهرة ودماء كثيرة وطاقات متعددة، بل فقدوا الأندلس فلم تعد مددا للمسلمين طيلة عهدها، فالعنف في غير محله لا يورث إلا عنفا، وطريق الدماء لا يورث إلا الدماء، والسبل كثيرة، ولكن ليس إلا من سبيل واحد فقط، إنه الطريق المستقيم [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {الأنعام:153} .

_________________
إذا جار الأمير وحاجبــــاه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويــــــل لقاضي الأرض من قاضي السماء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://snake001.jeeran.com
فجر الاسلام الصارخ
ادارة المنتدى
ادارة المنتدى
avatar

ذكر عدد الرسائل : 305
الموقع الالكتروني : مدونة فجر الاسلام
المعتقد و المذهب : الاسلام , أهل السنة والجماعة
الموطن : مالي وللدنيا ,ما أنا في الدنيا إلا عابر سبيل استظل تحت الشجرة ثم راح وتركها
تاريخ التسجيل : 31/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)   الجمعة أبريل 25, 2008 1:04 am

أوراق

-الاندلس من الفتح إلى السقوط
محاضرات مسموعة

أوراق

فهرس :
-الطريق إلى الاندلس
-عهد الفتح الاسلامي
-عهد الولاة
*-عبدالرحمن الداخل (صقر قريش)
-الإمارة الأموية

-الخلافة الأموية
-عهد الدولة العامرية و الفتنة
-عهد ملوك الطوائف

-دولة المرابطين
-بين المرابطين و الموحدين
-دولة الموحدين
-سقوط الأندلس

أوراق
ملحوظة : إن شاء الله سيتم ادراج باقي الروابط بعد اتمام وضع الدروس.

_________________
إذا جار الأمير وحاجبــــاه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويــــــل لقاضي الأرض من قاضي السماء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://snake001.jeeran.com
 
تاريخ الأندلس :4- عبد الرحمن الداخل(صقر قريش)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى فجر الاسلام :: الاقسام الاسلامية :: التاريخ والحضارة الاسلامية-
انتقل الى: